الفوركس: ماذا يحدث حقاً في كواليس مضيق هرمز؟
شهدت الأسواق انتعاشة قوية يوم الأربعاء إثر إعلان واشنطن وطهران توصلهما إلى هدنة تمهد للتفاوض على إنهاء الحرب. وسرعان ما تخلى المستثمرون عن حذرهم وعزوفهم عن المخاطرة، ما أنعش أسواق الأسهم ودعم الذهب على حساب الدولار الذي تكبد تراجعات ملحوظة. وفي غضون ذلك، هوت أسعار النفط الخام مسجلة واحداً من أعنف تراجعاتها اليومية منذ سنوات.
لكن المشهد تبدل تماماً مع تداولات الخميس؛ إذ هبطت الأصول عالية المخاطر ليعود المستثمرون للاحتماء بالملاذات الآمنة. ويبدو أن نشوة أسواق المال يوم الأربعاء كانت مبالغاً فيها، لتعود الآن إلى أرض الواقع. وكما أشرنا في تحليلنا يوم الثلاثاء، لم تسعر الأسواق مسألة انتهاء الصراع بشكل فوري. فالأزمة الحقيقية التي تؤرق الأسواق لا تكمن في الحرب ذاتها، بل في مصير مضيق هرمز، وهي معضلة لم تنجح الهدنة في تبديد ضبابيتها. وبلغة السوق، يبدو أن الطرفين قررا ترحيل الأزمة لأسبوعين وإبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه. لذا، لم يكن مستغرباً أن نشهد تداول خام برنت دون حاجز المئة دولار بقليل، وهو مسار يتوافق تماماً مع التوقعات التي طرحناها سلفاً.
حقيقة الموقف على الأرض
استمدت الأسواق تفاؤلها الأولي من قناعة سادت بأن مضيق هرمز سيُعاد فتحه بشكل شبه كامل، وهو ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولون إيرانيون، وإن تخلل ذلك بعض التحفظات. غير أن الساعات اللاحقة حملت مزيداً من الغموض للموقف الميداني؛ حيث تواصل إطلاق الصواريخ الإيرانية باتجاه منشآت خليجية، وسط أنباء عن ضربات عسكرية استهدفت الداخل الإيراني.
وكانت طهران قد اشترطت لفتح المضيق وقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، وهو ما قوبل برفض إسرائيلي قاطع. وبحلول صباح الخميس، عادت الآلة الإعلامية الإيرانية لتؤكد إغلاق المضيق مجدداً، رغم رصد عبور بعض السفن في ظروف يكتنفها الغموض. والمفارقة الأهم هنا أن مياه الخليج لم تشهد خروج أي ناقلة نفط خام منذ الإعلان عن تلك الهدنة الهشة. والخلاصة بالنسبة للأسواق: لا شيء تغير فعلياً على أرض الواقع منذ يوم الإثنين.
الأسواق تعيد تسعير المخاطر ومسار السياسات النقدية
بالنظر إلى تعاملات صباح الخميس، لا تزال أسواق العقود الآجلة تراهن على قيام المركزي الأوروبي برفع الفائدة مرتين هذا العام، مقابل رفع وحيد متوقع من بنك إنجلترا. أما احتمالات إبقاء الفيدرالي الأمريكي على أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام فتقف عند 74%، وهي نسبة شبه مطابقة لمستويات الأسبوع الماضي البالغة 76%. ويفسر ذلك بأن الأسواق تتفاعل ببساطة مع زوال خطر التصعيد العسكري الشامل والمباشر، رغم بقاء العقدة الاقتصادية الأكبر دون حل. ولعل خير دليل على ذلك عودة أسعار الذهب لتستقر قرب مستوياتها التي سبقت تهديدات ترامب باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية.
وفي حقيقة الأمر، لا أحد يعلم يقيناً مآلات هذه الأزمة. وتتجه الأنظار الآن صوب باكستان التي ستحتضن جولة مفاوضات بين الطرفين يوم الجمعة، في ظل غياب أي قوائم رسمية لمطالب أي من الجانبين للتوصل إلى اتفاق. فالخطة الأمريكية المكونة من 15 نقطة، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، لا تخرج عن إطار المطالب المسبقة المعتادة. وفي المقابل، طفت على السطح ثلاث نسخ متضاربة لما يُفترض أنها حزمة مطالب إيرانية من 10 نقاط. كما روج الإعلام الإيراني لخطة من 12 نقطة تتضمن شروطاً تعجيزية تقتل التفاوض في مهده، مثل إصرار طهران على مواصلة تخصيب اليورانيوم.
يُترجم كل ذلك إلى حقيقة واحدة: الأسواق باتت أسيرة للشائعات، ومن المرجح أن تظل في دوامة من التقلبات العنيفة قبيل عطلة نهاية الأسبوع. وبينما قد تتفاعل بعض الأصول مع أي اختراق نسبي في جدار الأزمة، فإن الاتجاهات الصريحة في سوق العملات لن ترسم ملامحها النهائية إلا عندما تنجلي غيوم مضيق هرمز وتتضح إمكانية استئناف تدفقات النفط بأمان.