هل يستعيد الدولار زخمه عقب قرار إلغاء الرسوم الجمركية؟

لا تزال الأوساط المالية تعمل على استيعاب تداعيات الحكم الصادر عن المحكمة العليا يوم الجمعة المنصرم، والذي قضي بـ إلغاء الرسوم الجمركية التبادلية التي كانت وقوداً لحرب تجارية عالمية مستعرة. ويبدو أن الإدارة الحالية لا تزال في طور المواءمة مع هذا المستجد القانوني، حيث سارعت للتلميح ببدائل حمائية أو التهديد بفرض قيود تحت مظلة تشريعات مغايرة. ومع ذلك، بدأت تتبلور في الأفق أنماط محددة لحركة رؤوس الأموال، لاسيما في سوق تبادل العملات الأجنبية.
ويشير خبراء التحليل إلى أنه مع بزوغ فجر اليوم الأول الذي تلا القرار، ارتفعت وتيرة التدفقات نحو سندات الخزانة الأمريكية. وتزامن هذا التحول مع موجة تخارج واسعة من سوق الأسهم، حيث سارع المتداولون لتسييل مراكزهم في قطاع التكنولوجيا ذي التقييمات السعرية المتضخمة، وتدوير تلك السيولة نحو القطاعات الدفاعية مثل المرافق والسلع الاستهلاكية الأساسية؛ وهو سلوك نمطي يعكس حالة “العزوف عن المخاطرة” في ظل تشبع القيم السوقية. واللافت في هذا المشهد هو عودة أدوات الدين السيادي الأمريكي كخيار مفضل للملاذ الآمن لدى كبار المستثمرين المؤسسيين.

هل انتهت حقبة التخارج من الأصول الأمريكية؟

رغم أننا لا نزال في مرحلة الرصد الأولي، إلا أن نزعة المؤسسات الكبرى نحو تجميع العملة الخضراء قد تؤسس لنقطة تحول جوهرية في الأسواق إذا ما اكتسبت الاستدامة المطلوبة. فخلال العام المنصرم، شهدت قيمة الدولار تراجعاً بنسبة بلغت عشرة بالمئة. ما مهد الطريق لزوج “اليورو/دولار” لتحقيق مكاسب لامست سبعة عشر بالمئة. وكان هذا التحرك نتاجاً لتوجه جمعي نحو “تصفية الأصول الأمريكية”، مدفوعاً باعتقاد المستثمرين بمبالغة القيم السوقية للأسهم، وتوقعاتهم ببدء دورة التيسير النقدي. فضلاً عن النظر للنزاعات التجارية كمصدر لعدم الاستقرار الاقتصادي.
وقد انسجم هذا التوجه مع تيار أوسع يسعى لـ “تقليص الاعتماد على العملة الدولية”. حيث اتجهت عدة دول لبيع حيازاتها من سندات الخزانة في ظل اتساع عجز الموازنة وضبابية السياسة المالية. إضافة إلى الاعتبارات الجيواستراتيجية؛ وكانت الصين في طليعة هذا الحراك. بينما لا يزال الاتحاد الأوروبي يطمح لتعزيز مكانة العملة الموحدة كبديل استراتيجي. ونتيجة لذلك، انخفضت حصة الدولار في احتياطيات البنوك المركزية بنحو نقطتين مئويتين خلال عام 2025. هذا ما دفع المستثمرين للتشكيك في فاعلية الدولار كملاذ آمن، وتفضيل بدائل أخرى تصدرها الذهب بمكاسبه القياسية.

المفاضلة بين الأصول والبحث عن الجاذبية

تعرض المعدن الأصفر لتقلبات حادة في شهر يناير نتيجة موجات مضاربية من متداولي التجزئة، ما أفقد السعر بعضاً من صفته كمخزن مستقر للقيمة. ويطرح المحللون فرضيات لتفسير العودة الراهنة نحو سندات الخزانة. إحداها ترجح أن جاذبية الدولار لم تتحسن ذاتياً، بل إن المستثمرين يجدون أنفسهم أمام معضلة “ندرة البدائل” الموثوقة.
فعلى الرغم من الاستقرار السياسي النسبي الذي تتمتع به منطقة اليورو، إلا أن دولها تعاني أيضاً من مستويات عجز مرتفعة في ميزانياتها العامة، مع معدلات نمو اقتصادي تتسم بالتباطؤ الشديد. هذا ما يجعل معالجة هذا العجز أكثر تعقيداً مقارنة بالولايات المتحدة. وإن كان إجمالي المديونية الأوروبية يظل أدنى من نظيره الأمريكي من الناحية الرقمية.

رصد التدفقات النقدية واتجاهات السوق

سجل زوج “اليورو/دولار” مكاسب عابرة عقب الإعلانات المتعلقة بالرسوم الجمركية، لكنه أخفق في اختراق مستويات المقاومة عند 1.1800 ليتراجع لاحقاً. وفي غضون ذلك، انزلق عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى أدنى مستوياته في قرابة ثلاثة أشهر. وهو مؤشر صريح على زخم الطلب على هذا الملاذ التقليدي.
ومع استمرار تباطؤ الماكينة الاقتصادية الأوروبية، قد يجد المصرف المركزي الأوروبي نفسه مضطراً لخفض أسعار الفائدة في وقت قريب إذا ما استمرت قراءات التضخم في إظهار الضعف. وفي المقابل، تزداد الدلائل على أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يحافظ على أسعار الفائدة دون تغيير.
لاسيما مع التقديرات بأن تقليص الرسوم الجمركية سيعمل كعامل تحفيزي للاقتصاد المحلي. ويبدو أن الدولار قد تعرض لعمليات بيع مفرطة تتجاوز قيمته العادلة العام الماضي. وبناءً عليه، قد يشهد ارتداداً صعودياً قوياً إذا استمرت النزعة الحالية في ظل غياب بديل استثماري يتفوق عليه في الجاذبية.